“السنونو”.. استراحة محارب عتيق

من أحد ردود الفعل على مسلسل ” السنونو” للفنان ياسر العظمة، نشرت شبكة “شام تايمز” المقال التالي:

ليس غريباً أن يمتعض الجمهور لاسيما السوري من تحول جذري بظهور محارب عتيق لطالما تحدث بلسان حالهم، وعكس مرآة أحوالهم، شارحاً همومهم، ومفنداً لأدق تفاصيل متاعبهم، هو الرجل الفقير ابن الطبقة المهمشة، والفلاح البسيط، هو الحكيم والقاضي الحليم، هو جاذب المتعة ومخلد الحكايا في الذاكرة، هو المختصر المفيد، والمحنك العتيد .. تلك الصورة التي حفرها الفنان ياسر العظمة بفكره وبلاغته ورجاحة نصوصه في قلوب وعقول الجمهور كان من الصعب إعادة تركيبها مع السنونو” بقطع من البازل تحمل وجهاً قلب الطاولة عليها وكأنه هنا ظهر بعد غياب ليقول أنه باستراحة، والاستراحة لابد أن تكون غريبة على محارب عتيق، وإن كان العمل منفصلاً عن سلاسل “مرايا” ولكن المقارنة كانت أمراً منطقياً كونه انطلق من شخصية بطله “عوني الناكش” المأخوذة عن إحدى لوحات مرايا ٩٧ “الرجل الذي يعرف كل شيء”.

حلق العظمة مع “السنونو” إلى عالم مستجهن عن عالمه، وعالم جمهوره العريض فجاء الرفض قاسياً هاهنا بعد ظن كبير بآمال معلقة على دراما صانعها من نوع فريد، فهو هنا غرد خارج السرب بعيداً عن مراياه، بمزيج من بعض لوحاتها التي ركبت على مزاج السفينة الفارهة، فحاكت هذه المرة الطبقة المخملية بهشاشة الحكاية وميلها نحو استعراض الصورة على حساب القصة، وإطالة الحوار على حساب الأداء الذي غاب عن أغلب ظهور الشخصيات وهذا ضعف حقيقي في السيناريو، الذي جاء خفيفاً متواضعاً خال من عناصره الأساسية فلا حبكة جذابة ولا عقدة ولا ذروات وحتى الحلول التي طرحت على لسان “عوني الناكش” حولته لأشبه بالشخصية الخيالية “كونان” الذي يسمع، وفجأة يكشف خبايا القصة الغامضة دون أي تمهيد أو تقصي واضح للمشاهد، بل فقط نسمع حل الحكاية “كالسرقة، أو اكتشاف النصابة غدير “نورا العايق” على لسان الرجل الذي يعرف كل شيء، فكيف للجمهور أن يتقبل هذا النص من فنان تفرد بثقافته العالية واستقى عدداً من لوحات أعماله السابقة من أعمال كبار الأدباء والروائيين العالميين مثل “تشيخوف”.

مزج العظمة في ظهوره وبعض الشخصيات بين لوحات سابقة لمرايا، وكذلك “نكات الفيس بوك” التي يعرفها الجميع، وأيضاً ظهوره الأخير الذي اختار أن يكون عبر الانترنت ببرنامج ” مع ياسر العظمة” والذي استطاع جذب الجمهور فيه معتمداً على البلاغة في معظمه وهي ميزة لا يمكن لأحد إلا الاعتراف بتفرد العظمة بها في الساحة الفنية العربية، فهو مزيج من أعمال ناجحة ولكن الخلطة لم تطهى كما يجب فركز خابزيها على الشكل أكثر من المضمون.

حضور الفنانين في العمل الذي أخرجه خيري بشارة لغاية حلقاته العشر الأولى حمل الفتور والفنان “العظمة” الذي يعتبر مدرسة تخرج من صفوفها الكثير من نجوم الساحة الفنية اليوم، لم نلمح تميزاً لمن شاركوه في رحلته الجديدة “السنونو”، الجميع يقول الحوارات بأقل جهد مبذول في الأداء، كما أن بعض الحوارات التي جاءت بلغات أجنبية تجاري طريقة الكلام لجزء من أبناء الدول العربية، وعدد من عمال السفينة من الجنسيات الأجنبية المختلفة والتي عكست هذا الخليط الموجود في عدد من الدول العربية الأخرى خاصة دول الخليج وتحديداً “الإمارات” التي صور العمل فيها، ظهرت نافرة في سياق العمل، لاسيما أنها غير مترجمة، فلم تحمل سوى حالة الاستعراض تماشياً مع جهة الإنتاج، وكأنها جاءت بديلة للهجات السورية المتنوعة التي طالما أبدع العظمة في استعمالها بملا يتلاءم مع طبيعة حكاياته الكوميدية، ولكن الكوميدية في “السنونو” تشكل الحيز الأقل من العمل حتى أنها تكاد تكون شبه معدومة.

بالعودة إلى الفيديو الترويجي للعمل والذي نشره العظمة عبر حسابه الرسمي على الفيسبوك بوك، سنجد عوني الناكش يردد بضع كلمات في ختامه “رحلتنا سوا بهالباخرة باتجاه المتوسط هي رحلة للتعارف.. للتقارب.. لتغيير الجو، لغسيل الهموم، للبحث عن قليل من السعادة والراحة” .. هكذا اختصر الرجل تلك الرحلة فلم يعد بما لن يقدمه، بل أبلغ الجمهور بماهية رحلته، وشكلها وغايتها، وفي ذلك إجابات على كل ما تردد بعد العرض، لنعود ونجد أنها رحلة لا يمكن اعتبارها إلا استراحة لمحارب عتيق فلماذا نحملها أكثر مما قصد وأفصح صانعوها؟.

spot_img
spot_img

مقالات قد تعجبك