في ربيع عام 1967، قررت مدرسة «ليكسايد» في مدينة سياتل الأمريكية شراء جهاز حاسوب من شركة «جنرال إلكتريك» لتعريف طلابها بعالم الحاسبات، وكان من بين طلابها ويليام هنري غيتس، الذي وقع في غرام الحاسوب منذ اللحظة الأولى.
كان طالباً في الصف الثامن وعمره 13 عاماً، وصار يُمضي غالبية وقته في غرفة الحاسوب في المدرسة منشغلاً بكتابة البرامج وتطبيقها، إلى درجة أنه أهمل واجباته، وكان يتغيب عن صفوفه الدراسية.
وفي هذه الغرفة نفسها تعرف ويليام المشهور باسم «بيل» إلى زميله بول آلان، الذي أغرم أيضاً بالحواسيب، ونمت بينهما صداقة وثيقة، أسفرت بعد سنوات عن ميلاد شركة «مايكروسوفت»، وليصبح بيل غيتس فيما بعد أغنى أغنياء العالم، بثروة مقدارها نحو 90 مليار دولار، قبل أن يتفوق عليه آخرون، وليحتل الآن المركز السابع في قائمة أثرياء العالم بثروة مقدارها 128 مليار دولار.
اغتنام الفرص
يُحكى عن بيل غيتس أنه دخل مطعماً مع ابنه، وقبل أن يخرج قدم للنادل إكرامية 5 دولارات فقط، وعندما لاحظ عدم الرضا على وجهه سأله: ألا يعجبك البقشيش؟ فقال النادل: إن ابنك هذا أعطاني في الأسبوع الماضي 500 دولار. فقال غيتس: ابني أبوه ملياردير، وأما أنا فابن رجل فقير.
وفي مقابلة تلفزيونية سألته مقدمة البرنامج عن سر ثرائه، فلم يتكلم، وأخرج دفتر الشيكات، وكتب لها شيكاً بمبلغ 50 ألف دولار، وقدمه إليها، فترددت في أخذه، فأعاده إلى جيبه وقال لها: أنت ترددت في اغتنام الفرصة، وأما أنا فلا أفوّت أي فرصة تتاح لي، هذا هو الفارق بيني وبينك، ولهذا صرت أغنى أغنياء العالم.
الذكاء والطموح
وُلد بيل غيتس في سياتل، واشنطن في 28 من أكتوبر 1955، وهو ابن ويليام غيتس وماري ماكسويل غيتس، من أصل إيرلندي – اسكتلندي. نشأ في عائلة ذات تاريخ كبير في السياسة والأعمال والخدمة الاجتماعية.
كان جده نائباً لرئيس بنك وطني، وكان والده محامياً، بينما كانت والدته تعمل بمنصب إداري في جامعة واشنطن، وكانت عضواً في مجالس لمنظمات محلية.
أظهر بيل منذ طفولته الذكاء والطموح وروح المنافسة، فقد تفوق على زملائه في المدرسة الابتدائية، وخصوصاً في الرياضيات والعلوم، وعندما أدرك والداه ذكاءه المبكر ألحقاه بمدرسة «ليكسايد» الخاصة والمعروفة ببيئتها الأكاديمية المتميزة، وكان لهذا القرار أثره في حياة بيل ومستقبله، ففي هذه المدرسة عرف بيل الحاسوب لأول مرة.
كانت المدرسة قد تعاقدت مع شركة «كمبيوتر سنتر» على تزويد الطلبة بحاسوب من نوع PDP – 10، لكن الطلبة تمكنوا من اختراق نظام الحماية وعدّلوا ملفات الحسابات الخاصة بهم، فحرمتهم الشركة من استخدام النظام، فتوجه 4 من الطلاب، منهم بيل غيتس، إلى مقر الشركة، وعرضوا عليها طريقة لتفادي أخطاء النظام التي سببت الخروقات التي قام بها الطلاب، فوافقت الشركة، وشكّل الطلاب الأربعة مجموعة أسموها «مبرمجو ليكسايد».
وأتاحت هذه الفرصة لهم إمكانية دراسة برامج النظام، واكتسبوا خبرة كبيرة في لغات البرمجة، وأنتجوا برامج ألعاب، ثم استعانت بهم شركة «إنفورميشن ساينس» لكتابة برنامج لاحتساب رواتب موظفيها.
رجلا الأعمال الصغيران
أسس بيل وبول آلان شركة صغيرة خاصة بهما فقط أسمياها «تراف أو داتا» وصمما حاسوباً صغيراً لقياس حركة المرور في الشوارع، وحققت الشركة ربحاً بلغ 20 ألف دولار في عامها الأول، وكان بيل حينئذ في المرحلة الثانوية، واستمرت الشركة في العمل حتى دخول بيل الجامعة.
في سنة 1973 التحق بيل غيتس بجامعة هارفارد، وظل يحلم هو وآلان بمشاريع مستقبلية لتطوير البرمجيات ونظام التشغيل، وعندما أنتجت شركة «ميتس» حاسوباً جديداً، ذهبا إليها وعرضا على رئيسها «برنامج مترجم» للحاسوب طوراه خلال شهرين من العمل عليه، وبعد تجربته تعاقدت الشركة على شراء حقوق ملكيته، وعُين بول آلان نائباً لرئيس قسم البرمجيات في الشركة، وترك بيل الجامعة وانتقل للعمل مع بول في تطوير البرمجيات.
وفي سنة 1975 قررا إنشاء شراكة خاصة بينهما لتطوير البرامج، فكان ميلاد «مايكروسوفت» الشركة التي ستصبح عملاقة على مدى السنوات والعقود اللاحقة، وامتلك غيتس نسبة 60 % من حجم الشركة، بينما حصل بول آلان على 40 %، حيث كان لا يزال موظفاً بدوام كامل لدى شركة ميتس.
ومع نهاية سنة 1976 تم تسجيل «مايكروسوفت» رسمياً بوصفها شركة مستقلة، وبلغت أرباحها 104 آلاف و216 دولاراً.
واستقال آلان من شركة ميتس للعمل بدوام كامل لدى مايكروسوفت، إلى أن أصيب بالسرطان فاضطر إلى الاستقالة.
في سنة 1985 أنتجت «مايكروسوفت» النسخة الأولى من نظام تشغيل «ويندوز 1.0»، وفي 1987 أنتجت النسخة الثانية ويندوز 2.0، فرفعت شركة «أبل» في العام التالي دعوى قضائية ضد «مايكروسوفت» واتهمتها بسرقة عناصر خاصة بواجهة التطبيق الرسومية لحاسوب «أبل ماكنتوش» واستخدامها في نظام التشغيل ويندوز.
وفي عام 1990 أيضاً وبعدما أنتجت «مايكروسوفت» ويندوز 3.0 أضافت «أبل» في دعواها تهمة أخرى بسرقة «الشكل والمضمون» الخاصين بها، وبعد أن خسرت «أبل» الدعوى حقق الإصدار الثالث من ويندوز، شهرة أوسع، وباعت مايكروسوفت نحو 10 ملايين نسخة منه في أول عامين؛ ما حقق لها السيطرة على سوق أنظمة التشغيل في الولايات المتحدة وفي العالم كله، وصارت أكبر شركة برمجيات في العالم، وجعلت أرباحها من بيل غيتس أغنى رجل في العالم، وتوالت إصداراتها حتى ويندوز 10، كما أنتجت حزمة البرامج المكتبية «أوفيس»، ومنها التطبيقات الشهيرة مثل«وورد» و«إكسل» و«باوربوينت».
ومع بداية ثورة الإنترنت التي اكتسحت العالم، أصدرت مايكروسوفت في سنة 1994 برنامج متصفح الإنترنت الشهير «إكسبلورر»الذي كان يستخدمه حتى وقت قريب نحو 80 % من مستخدمي شبكة الإنترنت حول العالم، إضافةً إلى تطبيقات أساسية مثل: ActiveX و«مايكروسوفت إس كيو إل سيرفر» ومحرك البحث «إم إس إن»، الذي أعادت تصميمه وأطلقته تحت الاسم التجاري «بينج» وبحملة ضخمة بلغت 100 مليون دولار.