في خضم السباق العالمي لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تتصاعد الأسئلة حول من يملك هذه التكنولوجيا، ولصالح من تعمل، وما الثمن الذي يدفعه المستخدم مقابل السرعة و«الذكاء». وسط هذا الجدل، ظهرت منصة «ثورة» (Thaura) كمحاولة لبناء نموذج بديل يضع الأخلاق وخصوصية المستخدم في قلب التصميم، لا على هامشه.
أسس المنصة شقيقان من أصول سورية، هاني وسعيد، عملا سابقا في قطاع التكنولوجيا بأوروبا، ويقدّمان «ثورة» بوصفها منصة ذكاء اصطناعي «للناس، لا للشركات ولا للحكومات». موقفهما هذا لا يقتصر على نقد تقني، بل يتجاوز ذلك إلى نقد أخلاقي وسياسي لهيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى.
تعود جذور هذا التوجه، بحسب المؤسسين، إلى تجربتهما المهنية في التعامل مع بيانات صحية حساسة، وإلى نشأتهما في سوريا، حيث شكّلت العلاقة بين السلطة والمراقبة وغياب العدالة وعيا مبكرا بخطورة ترك أدوات قوية بيد جهات لا تخضع للمساءلة. ومع انتقالهما إلى أوروبا، تحوّل هذا الوعي إلى شعور بالمسؤولية لبناء بديل مختلف.
يرى مؤسسو «ثورة» أن الخلل في نماذج الذكاء الاصطناعي السائدة ليس تقنيا بقدر ما هو أخلاقي، إذ تُبنى هذه الأنظمة على جمع البيانات واحتكارها، وتعمل في نهاية المطاف لخدمة الأرباح والأجندات السياسية. ويشيرون إلى ارتباط شركات كبرى بجهات متورطة في القمع والحروب، معتبرين أن هذه الشراكات تمثل تجاوزا أخلاقيا لا يمكن فصله عن التكنولوجيا نفسها.
على النقيض من ذلك، تلتزم «ثورة» بعدم استخدام بيانات المستخدمين للتدريب أو الربح، وتؤكد أن البيانات تبقى ملكا لأصحابها. كما يرفض مؤسسوها أي تمويل أو شراكة قد تمس استقلال المنصة، سواء من مستثمرين أو حكومات، معتبرين أن الخصوصية والحرية غير قابلتين للتفاوض.
تقدّم «ثورة» نفسها اليوم كمنتج عملي وموقف فكري في آن واحد: أداة سهلة الاستخدام، وبيان أخلاقي يدعو إلى إعادة التفكير في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا. وبغضّ النظر عن نجاحها التجاري، يعتقد مؤسسوها أن إثارة النقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وبناء مجتمع واعٍ بهذه القضايا، هو بحد ذاته شكل من أشكال النجاح.
في زمن تتسارع فيه الخوارزميات، تعيد «ثورة» طرح السؤال الجوهري: ليس ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل لصالح من يعمل، وبأي ثمن؟





